المقريزي
27
المقفى الكبير
الموفي خمسمائة من مسند كذا . وكان يصوم ، فإذا [ أ ] فطر نام نومة ، ثمّ نهض فتوضّأ ، ودخل بيت مصلّاه وصفّ قدميه إلى الغداة . ولّاه الأمير أبو القاسم أونوجور ابن الإخشيد وزارة مصر بعد الحسين بن محمد بن علي الماذرائيّ في يوم الأربعاء سابع ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فدبّر الأمور ، وعقد له مجلسا بداره في عشيّة كلّ خميس حضره القضاة والفقهاء والمحدّثون [ . . . ] . ولم يزل مدّة أيّام أونوجور وأيّام أخيه [ 299 أ ] عليّ ، وأيّام كافور الإخشيديّ . فلمّا مات كافور في عاشر جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة انقسم أمر مصر بين أربعة : فأقيم الأمير أبو الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد في الإمارة ، وعمره عشر سنين وعشرة أشهر ، وجعل خليفته الحسن بن عبيد اللّه بن طغج « 1 » وهو بالرملة ، وجعل على تدبير العساكر شمول الإخشيديّ ، وعلى تدبير الأموال الوزير أبو الفضل . وقام كلّ من القوّاد في هوى نفسه وانفرد بما يريد . فقبض أبو الفضل على جماعة من الكتّاب ، وأخذ البيعة على الجند لابنه أحمد بن جعفر بالإمارة على مصر والشامات والحرمين ، واحتجّ بأنّه ابن بنت الإخشيد « 2 » ، فوقع بينه وبين شمول ، وكثرت الفتن ، ولم يطق رضا الإخشيديّة « 3 » والكافوريّة والأتراك وسائر العسكر ، ولم يحملوا إليه ما عليهم من أموال الضمانات وطلبوا منه ، فاضطرب الأمر عليه ، فاختفى في يوم الثلاثاء ثاني عشر شوّال منها ولم يعرف له خبر إلى أن جمع الشريف أبو جعفر مسلّم بن [ 380 ب ] عبيد اللّه الحسينيّ القوّاد والوجوه بداره في يوم الجمعة سادس ذي القعدة ، وأخرج الوزير إليهم في زيّ الاستتار بقلنسوة نوميّة ورداء ونعل . فاعتذر الجماعة إليه ووعدوه من أنفسهم النصرة والخدمة وعقدوا عليهم الوفاء له بذلك ، وكتبوا له كتابا يتوثّق به . ثمّ ركب من دار أبي جعفر إلى الجامع العتيق ، وصلّى الجمعة ، وأمر بالنداء بالحجّ في البرّ ، وانصرف في جميع العسكر ، وصار إلى أمّ عليّ ابن الإخشيد فسلّم عليها وعاد إلى داره ، فنظر في أمور الناس ، وأمر ونهى ، وعزل وولّى . ولم يحجّ أحد من مصر في البرّ ، ولا وفي بما عاهد عليه ، ولا وفي له من حلف . وصارت أمور مصر إلى تلاش زائد ، وضاعت الأموال ، وتغيّرت النيّات ، وافترق الناس : فطائفة خرجت من مصر إلى الرملة ولحقت بالحسن بن عبيد اللّه بن طغج تضرّب على الوزير وترميه بالعظائم ، وأكثر الناس قد كتبوا إلى بلاد المغرب يستحثّون الإمام المعزّ لدين اللّه على المسير إلى مصر ، وأخذها لعدم من يقوم بأمرها . وممّن كتب إليه الوزير أبو الفضل . وطائفة قد خرجت إلى الغرب ولحقت بالمعزّ هذا ، وقد اختلطت الأمور وكثر الإرجاف بمسير القرامطة لعلمهم بموت كافور . وقد كثرت الفتن ببلاد الشام ، فصار من تغلّب صاحبه يتأمّر بدمشق ، والشريف أبو محمد عبد اللّه أخو مسلّم بالرملة على محاربة الحسن بن عبيد اللّه بن طغج ، وقد جمع معه ثمال العقيلي وطوائف من العرب ودعا إلى نفسه وتلقّب بالمهديّ .
--> ( 1 ) ابن طغج تأتي ترجمته برقم 1172 . ( 2 ) في الترجمة الطويلة التي خصّصها ابن سعيد لمحمّد بن طغج أنّه زوّج ابنته من [ أحمد بن ] جعفر بن الفرات ابن وزير الراضي العبّاسي ( المغرب ، قسم مصر ، 157 ) . وفي يتيمة الدهر 1 / 433 أنّ ابن الفرات كان « يدلّ بعرسه ، وهي ابنة الإخشيد » . ( 3 ) في سير النبلاء : لم يقدر على إرضائهم .